الشيخ الطبرسي
386
تفسير مجمع البيان
فيكون معنى رؤية البرهان : إن الله سبحانه أراده برهانا على أنه إن أقدم على ما هم به ، أهلكه أهلها ، أو قتلوه ، أو ادعت عليه المراودة على القبيح ، وقذفته بأنه دعاها إليه ، وضربها لامتناعها منه ، فأخبر سبحانه أنه صرف عنه السوء والفحشاء ، اللذين هما القتل ، وظن اقتراف الفاحشة به . ويكون التقدير لولا أن رأى برهان ربه ، لفعل ذلك . ويكون جواب ( لولا ) محذوف كما حذف فيه قوله تعالى : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله رؤوف رحيم ) . وقوله : ( كلا لو تعلمون علم اليقين ) أي : لولا فضل الله لهلكتم ، ولو تعلمون علم اليقين لم يلهكم التكاثر . ومثله قول امرئ القيس : ولو أنها نفس تموت سوية ، ولكنها نفس تساقط أنفسا ( 1 ) يريد : فلو أنها نفس تموت سوية لنقضت وفنيت ، فحذف الجواب تعويلا على أن الكلام يقتضيه . وعلى هذا يكون جواب ( لولا ) محذوف يدل عليه قوله ( وهم بها ) ولا يجوز أن يكون قوله ( وهم بها ) جوابا للولا ، لأن جواب لولا لا يتقدم عليه وثانيها : أن يحمل الكلام على التقديم والتأخير ، ويكون التقدير : ولقد همت به ، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها . ولما رأى برهان ربه لم يهم بها . ويجري ذلك مجرى قولهم : قد كنت هلكت لولا أني تداركتك . وقد كنت قلت لولا أني خلصتك . والمعنى لولا تداركي لهلكت ، ولولا تخليصي إياك لقتلت ، وإن كان لم يقع هلاك وقتل ، ومثله قول الشاعر : فلا يدعني قومي ليوم كريهة لئن لم أعجل ضربة ، أو أعجل وقال آخر : فلا يدعني قومي صريحا لحرة لئن كنت مقتولا ، ويسلم عامر ( 2 ) وفي القرآن : ( إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ) وهذا الوجه اختاره أبو مسلم ، وهو قريب من الأول وثالثها : ان معنى قوله ( هم بها ) اشتهاها ، ومال طبعه إلى ما دعته إليه . وقد يجوز أن تسمى الشهوة هما على سبيل التوسع والمجاز ، ولا قبح في الشهوة ، لأنها من فعل الله تعالى ، وإنما يتعلق القبح بالمشتهي . وقد
--> ( 1 ) هذا بيت من سينيته التي قالها عند موته ، ومعناه - على ما قيل - : تموت بموتي نفوس كثيرة . ( 2 ) قوله صريحا أي : خالص النسب .